أوكازيون” شركات للبيع..وثمنها إلى صندوق “الإصلاح
—
توجهات بتحويل أراضيها لصالح مشروعات سكنية
اسماعيل عبد الحي
حين تفشل محاولات إصلاح القطاع العام في إيجاد حلول ناجعة للنهوض بالشركات المتوقفة منذ سنوات، لأسباب تتعلق بعدم مواءمة المنتج النمطي لاحتياجات السوق وتعجز الإدارات عن تصريف المخازين المتراكمة، تجد وزارة الصناعة أن الحل يكمن في التخلص من هذه الشركات وبيعها رغم المحاولات الحثيثة من بعض المديرين لإيجاد صناعات بديلة تتلاءم مع تطورات العصر أو مع الحاجة الفعلية للمستهلكين…
وعلى قلتها فإن تلك الأفكار لم ترق إلى البعد الاستراتيجي للصناعة أو لتطورها، وجدواها الاقتصادية تعتمد على حلول وقتية لأزمات السوق وبعقلية أصحاب الورش الصغيرة التي توجد سوق تصريف المنتج قبل أن تبدأ بالإنتاج فعلياً، وعليه فإن بيع الشركات لجهات حكومية أو خاصة سوف يقلص بعد حين دور القطاع العام في دورة الحياة الاقتصادية لبلدنا، وهانحن نراه يتلاشى أمام تضخم القطاع الخاص وتحكمه بأسعار السوق.
ما سمعناه من مديري كل من شركات الألمنيوم والمحركات والأخشاب في اللاذقية يدعو للقلق على مستقبل قطاعنا العام الصناعي، بعد أن أومأ بعضهم إلى أن وزارة الصناعة هي من تدعو إلى بيع الشركات بغية التخلص منها، لأنها عجزت عن إيجاد سبل الإصلاح لهذا القطاع المهم والحيوي لشريحة كبيرة من أبناء شعبنا ولأن الوزارة تجد في البيع أسهل الطرق وأنجعها للتخفيف من حدة المشكلات التي تعصف بهذا القطاع منذ سنوات طويلة.
كتب ومراسلات
لم يفاجأ مديرو شركات الأخشاب والمحركات والألمنيوم في اللاذقية بقضية البيع، بقدر ما أدهشهم أن الوزارة تحث خطاهم على هذا الأمر، والاستعجال به من خلال الكتاب الوارد إليهم برقم 412/ص42/5 تاريخ 16/2/2012 وفيه التالي: بناء على ما تقرر في الاجتماع المنعقد في مبنى رئاسة مجلس الوزراء 15/1/2012 بخصوص إطلاق 50 ألف وحدة سكنية في كل المحافظات السورية، وحيث ورد ضمن الأراضي المقدمة لتنفيذ البرنامج المذكور مواقع تابعة لوزارة الصناعة وهي معمل الأخشاب ومعمل المحركات الكهربائية ومعمل الألمنيوم- تجدون مرفقاً صورة عن قرار السيد رئيس مجلس الوزراء رقم 1917 تاريخ 2/2/2012 المتضمن تشكيل لجنة فنية من وزارة الإدارة المحلية ووزارة المالية ووزارة الدولة لشؤون المشروعات الحيوية لتخمين قيمة تلك الأراضي وتحديد سعرها وفق السعر الرائج العادل.
وفي الكتاب أيضاً: (يرجى العمل على التنسيق مع اللجنة المذكورة ومتابعة ما يلزم لتخمين الأراضي واستكمال الإجراءات القانونية أصولاً بهذا الشأن لتحويل القيمة إلى صندوق إصلاح القطاع العام الصناعي وإعلامنا بالنتائج تباعا)…. وكانت الوزارة قد أرسلت قبل يوم واحد كتاباً إلى رئاسة الوزراء برقم 222/ص 41/5 يؤكد على مضمون كتابها السابق رقم 2176/ص 41/5 تاريخ 19/12/2011م بأنه لامانع لديها من تلبية طلب وزارة الإسكان والتعمير وتحويل ملكية العقارات المذكورة لمصلحتها لإنجاز المشروع السكني.
إنهاء للشركات
محمد شوبان- مدير عام شركة الألمنيوم، رأى في هذه الخطوة إنهاء للشركات التابعة لوزارة الصناعة في محافظة اللاذقية، وعزا توقف شركة الألمنيوم إلى قانون الاستثمار رقم 10 الذي سمح بإقامة الكثير من المعامل الخاصة التي أنتجت سلعاً شبيهة بالمنتج العام ولكن بمواصفات أقل وبسعر أرخص أيضاً…
وقال: إن الكثير من تلك المعامل لم يتقيد بالمواصفة القياسية السورية التي كنا نطبقها على منتجاتنا، وهذا ما جعلنا غير منافسين في سوق يبحث عن الأرخص ثمناً، وعليه فقد توقفت الشركة منذ بداية عام 2008، ومنذ ذلك الحين ونحن ننتظر قانون إصلاح القطاع العام الصناعي ولكن من دون جدوى.
وعن موضوع بيع الشركات قال شوبان: إنه يشبه عملية الانتحار ولكن مسألة الحل والربط ليست بيدنا، وإننا نفضل إعادة تشغيل هذه الشركات لأنها تخدم قطاع العمل وتخفف من البطالة، وفيها يمكن تشغيل حوالي الألفي عامل، ومشكلتنا تتلخص في نقص السيولة المادية، وكان يمكن التضحية بشركة واحدة مقابل الإبقاء على شركة أخرى.
وعن أوضاع العمال قال شوبان: حتماً سيتم نقلهم إلى شركة ثانية أو إلى وزارة أخرى، وهناك شائعة التقاعد المبكر التي قد تكون حلاً لتسوية أوضاع العمال… وفي الوقت الذي نرى فيه أن الحل يكمن من استمرارية العمل والنهوض بالشركات من جديد، ترى الوزارة أن الحل يكمن في بيعها، وهو ما نجده في الكتب المرسلة إلى جهات متعددة.
وعن لجنة التخمين الصادرة عن رئاسة مجلس الوزراء بالقرار 1917 قال شوبان إنه ورغم انقضاء المدة المطلوبة إلا أننا لم نر أحداً منهم، ولم يأت أحد إلى الشركة.
وأخيراً قال شوبان: نحن، كقطاع عام، نؤكد على فعالية قطاعنا الصناعي في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وخاصة في هذه الظروف الراهنة، وتشغيل يد عاملة جديدة والحد من البطالة، ولاسيما أن المنطقة الساحلية تفتقر إلى الشركات الصناعية وحتى الخاص منها.
إنتاج نمطي
نبيل بربر، مدير عام شركة المحركات، عزا توقف الشركة الفعلي في عام 2006 والرسمي في عام 2009 لأسباب كثيرة أهمها قدم خطوط الانتاج الذي أدى إلى هدر في المواد الأولية وانخفاض جودة المنتج فارتفعت نتيجته تكلفة الإنتاج، وصارت المنافسة غير ممكنة… وتحدث بربر عن تراكم المخزون في الشركة، حيث وصل إلى مستويات قياسية، وبلغ حين توقفت الشركة 35 ألف محرك، والآن لم يبق سوى 400 محرك فقط… وأضاف: إن المخزون هو فعل تراكمي وعلى مدى عشر سنوات تقريباً.
وعن إمكانية تطوير خطوط الإنتاج قال: إن إنتاجنا نمطي تمثل في إنتاج محرك غسالة عادية… وتحدث عن صعوبة استبدال خط الإنتاج الآن، وعن فائض العمالة الذي زاد في الأعباء ورفع تكلفة المنتج، ففي الوقت الذي يكلف المحرك الواحد الشركة حوالي 2033 ليرة من ميزانية عام 2005 كانت الشركة تبيعه بـ1200 ليرة فقط، وهو سعره في السوق المحلية.
وحتى التسويق كان أمراً صعباً، ورأى أن ذلك يعود إلى عدم حماية المنتج الوطني بعد إغراق الأسواق بالمنتجات المثيلة المستوردة وحتى المصنعة محلياً في الورش الصغيرة.
وعن رأيه ببيع الشركة قال بربر: كانت لدينا اقتراحات لمنتجات بديلة كتصنيع المحولات مع شركة خاصة أجنبية، ولكن المفاوضات لم تصل إلى حدود مقبولة… والاقتراح الثاني هو مشروع تصنيع اسطوانات غاز منزلية، وأرسلنا عدة كتب إلى وزارة الصناعة بهدف إعادة تشغيل الشركة وتمنينا القيام بهذا المشروع مع التأكيد على أن الشركة ستكون رابحة ولكن التفاوض على هذا الأمر لم ينته.
وتمنى بربر أن تقوم وزارة الصناعة بإصلاح القطاع العام الصناعي بشكل عام وتشغيل المتوقف منها بشكل خاص، وبرأيه فإنه بـ50 دونماً فقط يمكن تشغيل ثلاث شركات متوفقة كما هو الحال في الالمنيوم والمحركات والأخشاب، ولكن ليس بالانتاج النمطي الذي توقفت الشركات عن صناعته، فهو ليس مرغوباً محلياً ولن يجد أسواقاً خارجية حتماً.
وعن أوضاع العمال قال: إن 185 عاملاً سوف تتم تسوية أوضاعهم إذا بيعت الشركة ولا أعلم أين سيذهبون، ولكن توزيعهم على شركات أخرى هو أمر وارد.
ربط السعر بالمواصفة
ياسر بدر – مدير عام شركة الأخشاب قال: إن الشركة متوقفة منذ منتصف عام 2004 والسبب في ذلك يعود إلى عدم توفر السيولة المالية وتأمين الجذوع الاستوائية التي تحتاج إلى إعلانات طويلة الأمد.
وتحدث بدر عن المنافسة غير المتكافئة من القطاع الخاص ضمن الظروف التي كانت سائدة وكيف أن المطالبة بربط السعر بالمواصفة لم تجد نفعاً… وقال: إن الجهات الحكومية كانت تستجر منتجنا لأن لديها جهات إشراف فنية وهندسية، وبعد أن توقفوا عن الاستجرار لم يعد بمقدورنا تصريف المنتج، ما أدى إلى توقفنا.
وعن عمال الإنتاج قال: لقد تحولوا إلى أعمال الحراسة والخدمات ومن بقي لدينا هم 66 عاملاً.
وعن بيع الشركة لجهة عامة أخرى قال: لقد تم طرح الشركة سابقاً للاستثمار ووصلنا مع شركة روسية للتعاقد برعاية المؤسسة الهندسية، وكان هو الحل الأسلم، ولكن الظروف الحالية حالت دون ذلك.
وعن السعر الحقيقي لأرض الشركة قال بدر: حددنا السعر بـ15 مليون ليرة للدونم الواحد، ووقعنا على المحضر الذي أرسل إلى وزارة الصناعة، ولكن الإنشاء والتعمير اعترضت على السعر فهم يريدونه بسعر الاستملاك تقريباً لأنهم سيبنون للشرائح المتوسطة والفقيرة، كما يقولون، وهذه هي الأسعار الرائجة، ورغم تشكيل لجنة ثلاثية لإعادة تخمين أسعار الشركات التي تنوي وزارة الصناعة بيعها إلا أن اللجنة لم تأت.
وعن رأيه بالبيع قال بدر: إن طرح الشركة للاستثمار هو الحل الأنجع والأسلم، وللصناعة نفسها، وتحدث عن شركة روسية تختص بصناعة البيوت الخشبية، وهي التي ستأتي بالجذوع الخشبية من روسيا، ولكن بيد وزارة الصناعة التي يرى أنها تميل إلى البيع في الآونة الحالية.
مصلحة العامل أولاً
رامز إسبر- رئيس مكتب نقابة الصناعات المعدنية في اللاذقية قال: نحن ضد بيع شركات القطاع العام الصناعي دائماً، ومع مصلحة العامل دائماً وهناك صناعات بديلة تخص الزراعة التي لا نجد لها تسويقاً على سبيل المثال، كان يمكن لوزارة الصناعة أن تعمل على إيجادها خاصة أن البنى التحتية للشركات جاهزة، ومعمل الألمنيوم كان الوحيد الذي يغطي كل حاجة القطر، وفي الوقت الذي قيدوا الشركات بالمهل والروتين قاموا بإعطاء القطاع الخاص كل الصلاحيات!! وتساءل إسبر: هل تطوير القطاع العام الصناعي وإصلاحه يتم بالبيع، وهل بيع الشركات يؤدي إلى دعم ذلك القطاع؟!
وعزا إسبر استقالة بعض العمال إلى خوفهم من المجهول الذي ينتظرهم ومن فرزهم إلى شركات أخرى تفرض عليهم أعمالاً لا يألفونها ومن واجبنا الدفاع عن العاملين.
وعن الشركات قال: إنها شركات مخسّرة وليست خاسرة، وكان يمكن إيجاد معامل للحمضيات أو الزيت وهي معامل تحتاجها المحافظة.
تحريك الموضوع
الدكتور نضال فلوح- مدير عام المؤسسة الهندسية قال:إن اللجنة لم تعرض نتائجها حتى الآن على رئاسة مجلس الوزراء… ورداً على سؤال:لمَ لم تذهب إلى اللاذقية وفق إدارات الشركات الثلاث قال: أعتقد أن اللجنة لديها خبرة في مسألة التخمين وليس شرطاً أن تذهب إلى موقع الأرض… وعن رغبة وزارة الصناعة في البيع وتحريكها للأمر قال: إن رئاسة مجلس الوزراء هي التي تحرك الموضوع وقد طلبت من وزارة الصناعة ذلك، وبعد تشكيل اللجنة الأولى لم تتم الموافقة على السعر من قبل الإسكان.
وعن إمكانية إيجاد صناعات بديلة قال فلوح: إنه وضمن الظروف الحالية التي تمر بها بلدنا لا يمكن إيجاد صناعات بديلة، والأمر بحاجة إلى انتظار فقط.
تشرين
14/03/2012
(Source: xn--pgboi7eta.xn--ogbpf8fl)






